الأحد، 15 يناير 2012

الثورة كالواقعة، خافضة رافعة


على الرغم من وقوع العلامات الصغرى، فإنَّ المتكبِّرين لَم يَروا الساعة قريبة بعدُ، وزاد الاختناق، وبدأ التظاهُر واحتشَد الملايين بالميادين، يصرخون بأنَّ العلامات الكبرى وقعَت، ولَم يَرَها المفسدون في الأرض بعدُ، حتى كانت على رؤوسهم كالطامَّة الكبرى، وسُحِبت الكراسي، ووجَدوا أنفسهم بأرض غير الأرض التي بَغوا بها، وتبدَّل الحال، فدوامه من المُحال، وأصبَح الذي كان يُحمل على الأكتاف يُضرب بالنِّعال، وسُجِن السَّجان، وحُرِّر السُّجناء، وبات الآمر الناهي خلف القُضبان، وقد انفضَّ مَن حوله - المنافقون الذين أعلوا شأنَه بالكذب والنفاق - واعتَلى المنابر كهولُ المنفى، وبدَت الحسرة على وجوهٍ كانتْ ضاحكةً مستبشرة، تراها اليوم عليها غَبرة.

إنها الثورة التي وقَعت كالواقعة، فكانت خافضة رافعة، نزَلت برؤوس الطُّغاة منازلَ الخسِّ والعار، ورفَعت رؤوس الشُّرفاء رِفعة الشرف والعزَّة.

ثورة أبكَت مَن أبكوا أُمَّةً كانت خير أُمةٍ أُخرِجت للناس، وأضْحَكت مَن بَكوا على أُمَّة أهلَكها الظُّلم، ثورة هزَّت عرش مصر، وثبَّتت أقدام الفقراء من أهلها، ثورة مات من أجْلها عُشَّاق الحياة، وعاش لها عُشَّاق الموت.

ولكنَّ المنافقين لا زالوا يتصيَّدون الفرص، فرفَع أعلام الثورة مَن كانوا يهتفون للنظام السابق؛ لعلَّهم يَصِلون إلى ما هو أبعد مما حلموا به، فلقد تربَّوا على تقبيل الأيدي والتصفيق لمَن بيده السُّلطة، وصَعُب عليهم ألاَّ يُمارسوا النفاق المعهود، وللأسف رفَعتهم الثورة على أنهم مخلصين، وقريبًا ستُشرق الشمس، وسيَذوب الثلج، وستَظهر الوجوه على حقيقتها.

وإني حين أتحدَّث مع شباب الثورة الذين هبُّوا يوم 25 يناير، أجد بداخلهم حسرةً على ثورة تُسرق منهم، وبصدورهم ألَمٌ دفين، خاصة حين يرون على الفضائيَّات الرويبضةَ يتحدث باسم شعبٍ كامل، حتى تزاحَمت الأفكار على رؤوس الناس، وتاهَت الحقائق، ولَم يَبقَ فريق أو حزبٌ إلاَّ وقد تعرَّض للتشويه والشائعات، ولَم يَعُد الناس يعرفون مَن الصادق ومَن الكاذب، وهذا من علامات الساعة؛ قال رسول الله ‏- صلى الله عليه وسلم -:‏ ((‏إنها ستأتي على الناس‏ ‏سنون خدَّاعة؛ يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، ويَنطق فيها الرُّوَيْبِضة))، قيل: وما‏ الرُّويبضة؟ قال: ((السَّفيه يتكلَّم في أمر العامَّة))؛ رواه أحمد، وغيره.

فليس كلُّ مَن رَفَعته الثورة شريفًا، ولا كل مَن وضَعته حقيرًا، فلا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله، نسأله - عزَّ وجلَّ - أن يَحفظنا من الفِتَن؛ ما ظهَر منها وما بطَن، وأن يَحشرَنا مع الصالحين أصحابِ القلوب السليمة والضمائر الحيَّة؛ ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89].


الناشر موقع الألوكة 
موقع الطيف نيوز 
موقع دنيا الرأي
http://www.alukah.net/Culture/0/37512/#ixzz1jY7dGsaJ

الاثنين، 9 يناير 2012

العقل المؤمن والعقل الكافر



يظن البعض أن الإسلام دينُ تخلُّفٍ، لا يتماشى مع العصور الحديثة التي تعتمد على العلم، وهذا الاعتقاد الخاطئ افتراءٌ على الإسلام، وليس افتراءً على المسلمين؛ لأنَّ المسلمين هم مَن أعطوا الغرب الفرصة بأن يَرونا بهذه الصورة، فكثير منَّا أخَذ من الإسلام قشوره، وترَك الجواهر المكنونة التي جعَلت الحضارة الإسلاميَّة أرقى الحضارات الإنسانيَّة على مرِّ التاريخ.

حضارة كان الإسلام يَنتشر فيها من خلال أخلاق التجَّار المسلمين، أمَّا اليوم فقد أصبَحنا نُشوِّه الإسلام من أجْل التجارة، بل يُتاجر بعضنا بالإسلام؛ للحصول على كرسي أو منصبٍ، أخَذنا من محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - اللحْيَة وتقصير الجلباب، وأهْمَلنا خُلقه وعلمه، ورَجاحة عقله، وكأننا نهتمُّ بالقشور والمظاهر، ونَترك كنوز العقول، حتى لَمَّا دنَونا من الحضارة الغربية، أخَذنا منها الظاهر وترَكنا الباطن، فتأَمْرَكت الأزياء والبيوت، والشوارع والفنون، وبَقِيت العقول نائية عن الاهتمام بالعلم؛ حتى بدا للبعض أنَّ الحضارة ما هي إلاَّ أبراج عالية وشواطئ جميلة، ومَلاهٍ ليلية، ونَسينا أنَّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سكَن في أبسط البيوت، ولَم يَلبس الحرير، وعلى الرغم من ذلك، فإنه صنَع حضارة ليس لها مثيل؛ لأنه امتثَل أوَّلَ آية نزَلت عليه؛ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].

ولَمَّا كان الإسلام يدعو إلى العلم والاهتمام به، كان ذلك يأتي متماشيًا مع الأخلاق والسلوك الحميدة؛ ليكون المسلم من الداخل والخارج كائنًا يستحق الأمانة التي حمَلها وهي العقل، وللعلم وجهان: أوَّلها: هو الاهتمام بالعلم ليرقى به الإنسان، والثاني: تقديس العلم ونسبة كلِّ شيء للعلم، فمالَ هذا الدَّرب إلى الإلحاد.

ولكنَّ العلم الذي دعا إليه الإسلام، هو العلم الذي ينفع الناس ويهدي إلى الله، لا العلم الذي ينشر الإلحاد والفجور، والفرق بين العلم الذي يدعو إليه الإسلام والعلم الذي يدعو إليه الملحدون، هو العقل وكيفيَّة الاستخدام.

فالإسلام يدعو إلى العلم الذي يستخدم العقل المُتدبِّر، أمَّا الملحدون فهم يستخدمون العقل المادي أو الرَّقْمي، والفرق بينهما أنَّ العقل المتدبِّر حين يصل إلى الحقيقة العلميَّة، فإنه يذهب إلى ما ورائها من أبعاد تسوق إلى الخير وتهدي إلى وجود البارئ؛ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

وقال وهب بن مُنبه: "ما طالَت فكرة امرئ قطُّ إلاَّ فَهِم، وما فَهِم امرؤ قطُّ إلاَّ عَلِم، وما عَلِم امرؤ قطُّ إلا عَمِل"[1].

أمَّا العقل المادي، فهو الذي يرى الحقيقة العلميَّة كما هي، ولا يرى ما وراءها من أبعاد ودَلالات، فهم يرون أنَّ ماء المطر ما هو إلاَّ نتاج لعمليَّة تبخُّر ماء البحر، ثم إنَّ الرياح تحمله، ولَمَّا يتكثَّف، يهبط غيثًا، أمَّا العقل المتدبِّر، فإنه يسبح بعيدًا إلى خَلق السموات والأرض، وإلى قدرة الخالق في أن يجعل الرياح والأمطار من جنوده، فقد تكون رحمة ورزقًا، وقد تكون عذابًا وغضبًا؛ يُروى عن عيسى - عليه السلام - أنه قال: "طوبى لِمَن كان قيله تذكُّرًا، وصمته تفكُّرًا، ونظره عِبرًا"[2].

والعقل المادي يرى أنه لو أنفَق على والديه، لأنقَص ذلك من دَخله، وهذا بلُغة الآلة الحاسبة صحيح تمامًا، أمَّا العقل المتدبِّر، فيرى أنه لو أنفَق على والديه الآن، فإنه سيَجني ثمرة ذلك مستقبلاً، وهو بذلك يُنقذ المجتمع من ماديَّة فكَّكت الروابط الأُسرية، وبالمثل الزكاة والصَّدقات وغيرها من اقتصاديات الإسلام التي يجب التفكُّر فيها؛ لنُدرك جَدواها، ونُدرك مدى نَفعها للمجتمعات، أمَّا العقل المادي، فيراها نقصًا للأموال وحسب.

العقل المادي هو الذي يستجيب لنداءات الجسد تحت شعار الحريَّة، فيعم الزنا والشذوذ وغيرها من صور الحرية المزعومة، أمَّا العقل المتدبِّر، فإنه يَضبط شهوات الجسد؛ لأن الفرد يؤثر في الجماعة، فلو اتَّبَع كلُّ فرد شهواته، ثم نظر إلى المجتمع من بعيد، لرآه غابة مُقززة، كلُّ مَن فيها يفعل ما يريد تحت شعار الحرية.

ومن هنا يجب أن نتدبَّر أبعاد أفعالنا وتفكيرنا، فليس كل ما نعلم ينفع، ولا كل ما نَجهل يضرُّ، فلنتدبَّر ما عَلِمنا؛ لعلنا نَبلغ الفَهم، ونكون من أهل الجنة؛ قال لقمان الحكيم: "إنَّ طول الوحدة ألْهَمُ للفكرة، وطول الفكرة دليلٌ على طَرْق باب الجنة"[3].

ولَمَّا دعا الأنبياء إلى الله الواحد الأحد، لَقوا الرفض والإنكار من أقوامهم الذين استخدَموا العقل المادي، وقالوا: أين الله؟ دعونا نراه! أمَّا مَن استخدموا العقل المتدبِّر، فقد آمنوا بالله، ولَم يروه؛ لأنهم رأوا آياته؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 20، 21].

وهذا هو الفرق بين العالم المسلم والعالم الكافر، أو غير المسلم، وهو التدبُّر، وهذا ما جعَل كثيرًا من علماء الغرب يدخلون الإسلام؛ لَمَّا تدبَّروا الحقائق العلمية، ولَمَّا تدبَّروا القرآن، ولعل أشهرهم عالِم الرياضيات الأمريكي "جيفري لانج"، لَمَّا قرأ القرآن بتدبُّر، فأدرَك أنه كتابُ حقٍّ أنزَله الحقُّ على عبده الصادق المصدوق، لَم يتردد في نُطق الشهادة؛ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

ونَخلص من ذلك إلى أنَّ كل العلماء يستخدمون العقل، ولكنَّ غير المؤمن يلجأ إلى العقل المادي، فيقوده ذلك إلى الإلحاد، أمَّا المؤمن فإنه يلجأ إلى عقله المتدبِّر الذي يقوده إلى الله وإلى اليقين والطمأنينة؛ ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190 – 191].


[1] تفسير ابن كثير.
[2] تفسير ابن كثير.
[3] تفسير ابن كثير.
تم نشره على :
 موقع الألوكة 
دنيا الرأي