الخميس، 3 يناير 2013

أين كان أبوه حين صلبوه؟


    حاول جاهدًا أن يُقنعني أننا أبناء الله، وأن عيسى ولدُ الله، وروى لي اعتقادَه بأن عيسى قُتل مِن أجلنا، وأنه حمل عنا أوزارنا، فقلتُ له: إذًا دعني أضربْك وأسرقك، وسأدخل الجنة معك؛ فالمسيح مات من أجلي، وحمل عني وزري، غضب وقال: لا، يجب أن تؤمنَ به؛ ليخلِّصَك من خطاياك.

ضحِكتُ وقلت:
حسنًا، ما أسهلَ ذلك الأمرَ! فلقد رأيت فيلم المسيح، وأشفقت على الممثِّل الذي أدى دَور المصلوب، الآن دعني أحيَ حياة بلا قيود، فسأفعل كل ما أشتهيه ما دمتُ قد ضمنتُ الجنة؛ لأن عيسى تعذَّب ليحمِل عني إثمي.

ضحِك ساخرًا، وقال: تظنُّها غابة؟ نحن يحكمُنا القانون.

ضحِكتُ ساخرًا من سخريتِه، وقلتُ:
لا يُهمني أمرُ الدنيا ومن فيها، أنا ضمِنتُ الجنة، الآن يمكنني العبثُ كيفما شئتُ، سأسرق، وأقتل، وأكذب، وأشرب الخمر، وسأرافقُ أيَّ امرأة تعجبني، والمسيح يحمل عني خطاياي، أليس هذا في إنجيلكم: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموتَ عن الخطايا فنحيا للبر، الذي بجلدته شفيتم"؛ العهد الجديد، (بطرس الأولي، 24:2).

بعض العقائد نجد فيها غرابة، ولا يكاد يصدِّقها عقل، وحين كنتُ أفكر لماذا يعرف الناس الحقيقة ثم ينكرونها كنتُ أتوه، ولا أصل إلى إجابة، حتى وجدتُ الأمر مرتبطًا بالهوى والمطامع، فما دامت العقيدة تحقِّق لي الأطماع، فلا بأس من اتباعها، أما إذا كانت تتعارض مع المطامع فلا بد من الكفرِ بها وتكذيبها، هذا مبدأ الضلالِ واتباع الهوى.

ولَمَّا تأملتُ سبب اقتناع المسيحيين بأن عيسى - عليه السلام - مات مصلوبًا وجدتُ أن السبب يتلخص في تعريف قساوستهم لعقيدة الخلاص؛ "هو التحرير الرُّوحي والأبدي الذي يمنحه اللهُ للذين يقبلون شروط التوبة، ويعلنون إيمانَهم بالربِّ يسوع المسيح"، وهي فلسفة غريبة بأن يُعذب اللهُ ابنَه - على حسب عقيدتهم - ليكون الضحية، فيحمل آثامَ الناس، وبهذه الطريقة قد تخلصوا من غضبِ الله وعذابه، بشرط أن يؤمنوا بأن المخلِّص هو المسيحُ.

ويبقى السؤال: هل الإلهُ القادر أن يعذِّب وأن يعفو مضطرٌّ أن يقدم ضحيةً ليحملَ الآثام والخطايا عن الناس؟ أليست بيده الجنة والنار؟ وإن كان ولابد أن يُعذب أحدًا فلماذا يكون ولدَه؟ وإن كان الناس جبابرةً والابن ضعيفًا فأين كان أبوه؟

يقول الشاعر:
عجبًا للمسيح بين النصارى 
وإلى أيِّ والدٍ نسبُوه 
أسْلَموه إلى اليهود، وقالوا: 
إنهم بعد قتلِه صلبُوه 
فإذا كان ما يقولون حقًّا 
وصحيحًا، فأين كان أبوه؟ 
حين خلَّى ابنه رهينَ الأعادي
أتراهم: أرْضَوْه أم أغضبوه؟ 
فلئن كان راضيًا بأذاهم 
فاحمدوهم؛ لأنهم قتلوه 
ولئن كان ساخطًا فاتركوه 
واعبدوهم؛ لأنهم غلبوه 

لا نلومهم على عقيدتهم بقدر ما نلومُهم على تجاهل العقل، فلو كان الإنسان مجبرًا على اتباع دين معين لخَلَق اللهُ الناسَ على دين واحد؛ ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود: 118، 119]، ولكن الله - سبحانه وتعالى - وهَبنا عقلاً؛ لنميز به الخبيثَ من الطيب، ولنتأمل ولنتدبر ولنختلف، حتى نصل إلى الحقيقة، أما من يتجاهل عقله في تدبر خَلْقه وخالقه، وبدايته ونهايته؛ فهو كالحجر، حيثما أرادوه وضعوه، إن أرادوه قصرًا كان قصرًا، وإن أرادوه قبرًا كان قبرًا.

ما أثار فضولي لهذه القضية هو ظهورُ إعلامي إسرائيلي، وهو يحمل بعض المسامير البالية، ويزعم أنها تلك التي صُلب بها المسيح، ويدعو السياح لزيارة تل أبيب لرؤيتها، يُزيفون الحقائق من أجل مصالح مادية، ولأهداف اقتصادية، وما أدهشني هو اصطناع الكذبة، وجعلها عقيدة يؤمن الناسُ بها؛ فلقد زعم اليهود أنهم صَلَبوا المسيح وقتلوه، ولينجوا من خطيئتهم أضلُّوا النصارى، بزعمهم أن الله أراد للمسيح الموتَ على الصليب ليحملَ عنا الخطايا؛ فاتبع النصارى ضلالَ اليهود؛ ولذلك وصَفهم القرآن بالمغضوب عليهم، ووصف النصارى بالضالين؛ فاللهم ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾[الفاتحة: 6، 7].


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/48614/#ixzz2GwFgQoQq

السبت، 15 سبتمبر 2012

كيف نرد على الأفلام المسيئة لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم؟


كيف نرد على الأفلام المسيئة لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم؟

ليس منَّا مَن لم يحزن لما نُشِر من رذائلَ وسِباب، لا تخرج إلا من أراذل الناس وأخسِّهم، ولكن إن ردَدنا على السِّباب بالسِّباب، فنحن نرفع من قدْرهم، ونُعطيهم شهرة لا يستحقونها، فليكن أول ردِّنا عليهم هو التجاهل؛ حتى يشعروا بأن عمَلهم لا قيمة له، ولقد لاحظَتُ أن بعض الردود كانت ترويجًا لهذا العمل الحقير.

والسكوت نوعان: سكوت ضَعْف وجُبن، وسكوت عزَّة وكِبرياء، والظاهر منهما واحد، ولكن الفرْق شاسعٌ؛ فسكوت الجُبناء لا يتماشى مع منهج أُمة لا إله إلا الله، فليكن سكوتنا سكوتَ المحاربين الذين لا يُلْهَون عن المعركة بالقيل والقال، وليكن تركيزُنا في العمل والإنتاج؛ حتى لا نقعَ ضحايا لأقوام طغَوا علينا اقتصاديًّا وماديًّا، وبات أقوى أسلحتنا أمامهم هو المقاطعة، وهو سلاح زائفٌ؛ لأننا لا نصنع حتى الجوارب، ومن لا يَملِك قُوته، لا يَملِك حريَّته، فلنعمل حتى نرفع قَدرنا بين الأُمم علميًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا، ووقتها ستكون حضارتنا أكبرَ ردٍّ على هؤلاء الذين يشكِّكون في رسالة المصطفى - صلى الله عليه وسلم.

والرد الثاني يكون بنفس السلاح، ولكن بأخلاقنا لا بأخلاقهم، وذلك بإبراز الحقائق بوسائل الإعلام المختلفة، وبأسلوب راقٍ يصل إلى كل العالم، فالغرب لا يكاد يَرانا، وإن رآنا، فإنهم يروننا من خلال هذه الأفلام الرخيصة، فلتَهبَّ وسائل إعلامنا لتَنشر عقيدتنا، وتُبرز أخلاق الإسلام للعالم كله.

الرد الثالث أن نتَّقي الفتنة المقصودة من أمثال هذه الأعمال، وليكن ردُّنا بعيدًا عن التظاهر غير السلمي، ورفْع لوحات قد تُظهرنا للغرب كما قيل عنَّا، وبالتالي ينجح منتجو هذا العمل في تشويه الإسلام، وتوصيل رسالتهم الكاذبة.

ويبقى السؤال، وهو: لماذا النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مرة؟ ولماذا نحن دائمًا المستضعفون في الأرض؟

ليُثيروا غضبنا، فيرانا العالم همجيين؛ كما وصفونا في فيلمهم الحقير، ولينالوا شهرة من عمل دنيءٍ، يَنال أفضل الترويج بردودنا العفوية.

وعلى الرغم من كثرتنا، فإننا أصبحنا كغُثاء السيل، يتلاعب بنا الصهاينة والمُلحدون كما يتلاعب الموج برُفات الحِيتان، ولن ينتهي العُتاة عن عُتوِّهم؛ حتى نتفوَّق عليهم في كلِّ شيء.

ولو يعلمون كمَّ الحبِّ الذي أحيَوه في قلوبنا لغَيْرتنا على حبيبنا رسول الله، لَما فعلوا فَعْلتهم التي زادَت حقارتَهم، وعذرًا رسولَ الله، فلولا حِقدُهم، لما ظهَر غِلُّهم وبُغضهم.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 92 - 99].

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/0/44209/#ixzz26ZMWTkbn

الاثنين، 6 فبراير 2012

لا حضارة بلا شعب عامل


نظرتُ يومًا إلى الأهرامات، وقلتُ مَغْرورًا: "تلك قبورُ أجدادي، فما بالكم لو بنَوْا قصورًا!"، ولَمَّا دنَوْت منها ورأيتُ ما فيها من عبقريَّة وفَنّ، قلتُ: بل هي لوحة فنِّية تَحْكي حضارةً عظيمة، ولَمَّا دخلتُها ورأيتُ جمالَ بنيانها، قلت: بل هي صَنِيعةُ علماء، أرادوا تخليد عِلمِهم، وتَحدِّيَ مَن سيأتي بعدهم، ولَمَّا قرأتُ عن أسرار بِنائها، أيقنتُ تمامًا أنَّها ليست مجرَّد قبور، بل هي إعجازٌ يُخلِّد عبقريَّةً وصلَ إليها علماءُ الفراعنة في شتَّى العلوم؛ لِيَنبهر العالَمُ حتَّى الآن بها، ويَقِف عاجزًا عن معرفة سرِّ بنائها؛ ولتكون رمزًا لحضارةٍ عظيمة لَم تشهد البشريَّةُ مثيلاً لها، حتَّى بلغَ الغرور بفراعينها ذروتَه، وظَنُّوا أنَّه لا أحدَ فوقهم؛ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [القصص: 38]، ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الزخرف: 51].

وأشهر مثَلٍ لِتَقدُّمِهم العلميِّ والاقتصادي: قارون، الذي غرَّه علمُه وماله، وكان رمزًا ثانيًا لِتَجبُّر الحضارة، حين يجتمع العلمُ مع المال، وبلَغَ ثراؤه درجةً عظيمة حتَّى حسَدَه الناس على موكبِه: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76].

وكان لزامًا أن يُسجِّل التاريخُ هذه الحضارة كما سجَّلَها القرآن الكريم، ولكن الزمن يأكل الورقَ ويُجفُّ الحِبْر، فلم يبقَ أمام الفنَّانين إلا الحجَر؛ لِيَنقشوا عليه ما وصلَ إليه عِلمُهم، فخرَجَتْ لوحاتٌ كانت وحدها كافيةً لتصنع حضارةً عظيمة، خلَّدَها القرآنُ الكريم.

ولكن أين كان الشَّعب؟! كان الشَّعبُ مطحونًا يجرُّ الأحجار، وينحت في الصُّخور، ويزرع على ضفاف النِّيل تحت قَمْع فرعون، وسَوْط هامان، وهذا لا يُقلِّل من قيمة هذا الشَّعب، لا شكَّ أنه لولا كفاحُ وصبر هذا الشعب ما كانت تلك الحضارة التي حصَدَها السياسيُّون، فلا حضارة بلا شعبٍ ذي هِمَّة عالية، شعب يَخْرج منه علماء وفنانون، نتباهى بهم أبدَ الدَّهر، شعب في رباطٍ إلى يوم القيامة كالسبائك لا تشوبه شائبة، ولا يتعكَّر عرَقُه، ولا تهزُّه فتنة.

فالحضارة يصنعها العلماء، ويُسجِّلها الفنَّانون، ويحصدها السياسيُّون، والشعب هو المطحون؛ يَكْدح ويعمل كخليَّة نَحْل، فلا فائدة للعلم ما لَم نستخدِمْه، ولقد سجَّل الفنانون كدَّ وعرق الفراعنة، ونَحتوا صُورَهم وهم يَعْملون بالحقول، وهم يَبْنون أعظم بنيانهم؛ فلو كانوا كُسالى لأكلَتْهم الأرض كما تأكل رفاتَ اللاَّهية عقولهم، ولَم يؤثِّر تقدُّمُهم العلميُّ والعمَلي على حياتهم الدينيَّة والاجتماعية، فمَن لا يُدرك مصير الإنسانيَّة بعد الموت لَم يبلغ من العلم شيئًا، ويدَّعي البعض أنَّ الحضارة الفرعونيَّة بها تناقضٌ واختلاف؛ فتلك الحضارة العظيمة التي رفعَتْ يوسف النبيَّ على العرش هي نفسها التي طردَتْ موسى النبِيَّ، وأرى أنَّ ذلك الاختلاف هو اختلاف سياسيِّين وقادة، وليس اختلافَ شعب، فالشَّعب الذي اتَّبَع الداعي إلى التَّوحيد هو نَفْسُه الشعب الذي دعمَ موسى وقومَه، وأعطوهم من الذَّهَب وزينتهم؛ لِيَنجو من فرعون وجنوده؛ ﴿ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾ [طه: 87].

وهذا التناقض لا تَخْلو منه حضارة؛ فتلك الحضارة الأمريكيَّة الَّتي تَزْعم أنَّها راعية الحُرِّية، وحقوق الإنسان، وتدعو إلى الرَّحمة بالحيوان، هي نفسها التي تُرسِل جيوشها لِتَقتل آلافَ البشَر، والحضارة الأوروبيَّة التي عُرِفَت بحبِّ الجمال والرومانسيَّة، وخرجَتْ منها أفضلُ المسرحيَّات والرِّوايات الإنسانيَّة، هي نفسها التي أوحَتْ إلى فلاَّحيها وجنودِها بأن يُحارِبوا باسْم الصَّليب؛ لِيَتركوا خلفهم أراملَ ويتامى، ويُهرَعوا إلى حروبٍ لَم ينالوا منها شيئًا غير الغرق في بحور العرَب.

وحين تسأل مَن بنَى هرم كذا، أو معبد كذا؟

تكون الإجابة: الفرعون فلان، أو الملك فلان، وهذا تَجاهُلٌ لِمئات الآلاف من البشَر الذين هلَكوا من أجل بناء تلك الحضارة، وحين نختزل حضارةً عظيمة في بعض الأحجار واللَّوحات الفنيَّة؛ فإنَّ ذلك تجاهُل لشعب كان عظيمًا في عِلمه واقتصادِه، وأسس مجتمع كان هو البيئة الصَّالحة لِصُنع حضارة عظيمة.

ولو نظَرْنا إلى كلِّ الحضارات لوجَدْنا أنَّهم اتَّبعوا الدَّرب الفرعونِيَّ المُتمثِّل في شعبٍ يكِدُّ ويعرق، ويُقدِّر العلم والعلماء، ويتذوَّق الفنون، وحضارات العصر الحديث الأمريكيَّة واليابانية والصِّينية ليست حضارةَ شعب مرفَّه، بل هم كادحون أيضًا، يُقدِّسون العمل، بل إنَّهم مجبورون على هذه الحياة التي لا راحة فيها؛ فهم مُكبَّلون بضريبة الدَّخل، وفواتير والْتِزامات تَجْعلهم يَرْكضون رَكْض المُتسابقين من أجل لقمة العيش، ويُعانون من قَسْوة المُجتمَعات الماديَّة، الَّتي لا تَخْلو من القلق والخوف من الغد، يؤمنون بأنَّ المرء لا معين له إلاَّ ساعِدَيه، فلم ينتَظِروا حكوماتِهم أن تُقدِّم لهم شقَّة من وزارة الإسكان، مع أنَّهم يحلمون بالفوز باليانصيب، ولكنَّهم لا ينتظرونه.

ولن يصنع شعبٌ حضارة ما دام يحقر العاملين بأيديهم، وما داموا يتكبَّرون ويتأفَّفون، ويُهدِرون حقوقَ الطَّائفة الكادحة ماديًّا وأدبيًّا، ولعلَّ أشد ما يجعل الغرب يَسْخر منَّا هو تقييمنا للأشخاص على حسب وظيفتِهم، وكأنَّ السُّلم الوظيفيَّ انتقل من المؤسَّسات والشركات إلى المُجتمَع؛ لِيَنتج عنه نفورُ الناس من الزِّراعة والصناعة.

وفقَدْنا الفلاَّح المُنتِج والمهنِيَّ المُحترِف، وأصبحنا مستورِدين وحسب، بل صار المُضلِّلون يتباهون بأنَّنا أكبَرُ الأسواق للصِّين والغرب، وصِرْنا نمدُّ لهم أيدِيَنا لنطلب السجَّادة التي نُصلِّي عليها، والمسبحة الَّتي نسبِّح بها، ونرجو منهم عفوًا جمركيًّا ورِضًا اقتصاديًّا، فأصبحوا هم الأعلى، ونحن الأدنى؛ لأنَّنا ما فهمنا قول المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اليَدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى)).

وكلُّ ذلك؛ لأنَّنا وقَّرْنا الأيدِيَ الناعمة، واحتقَرْنا اليد الخشنة التي تصنع الحضارة.

ونَخلُص إلى أنَّ الشعب هو القاعدة التي تَقُوم عليها الحضارة، فلا سبيل إلى صُنع الحضارة بلا شعبٍ يعمل باجتهاد، ويُقدِّس العلم، ويحترم الأديان، أمَّا الشُّعوب المقهورة فلن تَجْنِي منها سوى الجهل والفقر، وتَوارُث الخَيْبة.
هيثم النوبي 


الناشر : 

الأحد، 15 يناير 2012

الثورة كالواقعة، خافضة رافعة


على الرغم من وقوع العلامات الصغرى، فإنَّ المتكبِّرين لَم يَروا الساعة قريبة بعدُ، وزاد الاختناق، وبدأ التظاهُر واحتشَد الملايين بالميادين، يصرخون بأنَّ العلامات الكبرى وقعَت، ولَم يَرَها المفسدون في الأرض بعدُ، حتى كانت على رؤوسهم كالطامَّة الكبرى، وسُحِبت الكراسي، ووجَدوا أنفسهم بأرض غير الأرض التي بَغوا بها، وتبدَّل الحال، فدوامه من المُحال، وأصبَح الذي كان يُحمل على الأكتاف يُضرب بالنِّعال، وسُجِن السَّجان، وحُرِّر السُّجناء، وبات الآمر الناهي خلف القُضبان، وقد انفضَّ مَن حوله - المنافقون الذين أعلوا شأنَه بالكذب والنفاق - واعتَلى المنابر كهولُ المنفى، وبدَت الحسرة على وجوهٍ كانتْ ضاحكةً مستبشرة، تراها اليوم عليها غَبرة.

إنها الثورة التي وقَعت كالواقعة، فكانت خافضة رافعة، نزَلت برؤوس الطُّغاة منازلَ الخسِّ والعار، ورفَعت رؤوس الشُّرفاء رِفعة الشرف والعزَّة.

ثورة أبكَت مَن أبكوا أُمَّةً كانت خير أُمةٍ أُخرِجت للناس، وأضْحَكت مَن بَكوا على أُمَّة أهلَكها الظُّلم، ثورة هزَّت عرش مصر، وثبَّتت أقدام الفقراء من أهلها، ثورة مات من أجْلها عُشَّاق الحياة، وعاش لها عُشَّاق الموت.

ولكنَّ المنافقين لا زالوا يتصيَّدون الفرص، فرفَع أعلام الثورة مَن كانوا يهتفون للنظام السابق؛ لعلَّهم يَصِلون إلى ما هو أبعد مما حلموا به، فلقد تربَّوا على تقبيل الأيدي والتصفيق لمَن بيده السُّلطة، وصَعُب عليهم ألاَّ يُمارسوا النفاق المعهود، وللأسف رفَعتهم الثورة على أنهم مخلصين، وقريبًا ستُشرق الشمس، وسيَذوب الثلج، وستَظهر الوجوه على حقيقتها.

وإني حين أتحدَّث مع شباب الثورة الذين هبُّوا يوم 25 يناير، أجد بداخلهم حسرةً على ثورة تُسرق منهم، وبصدورهم ألَمٌ دفين، خاصة حين يرون على الفضائيَّات الرويبضةَ يتحدث باسم شعبٍ كامل، حتى تزاحَمت الأفكار على رؤوس الناس، وتاهَت الحقائق، ولَم يَبقَ فريق أو حزبٌ إلاَّ وقد تعرَّض للتشويه والشائعات، ولَم يَعُد الناس يعرفون مَن الصادق ومَن الكاذب، وهذا من علامات الساعة؛ قال رسول الله ‏- صلى الله عليه وسلم -:‏ ((‏إنها ستأتي على الناس‏ ‏سنون خدَّاعة؛ يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، ويَنطق فيها الرُّوَيْبِضة))، قيل: وما‏ الرُّويبضة؟ قال: ((السَّفيه يتكلَّم في أمر العامَّة))؛ رواه أحمد، وغيره.

فليس كلُّ مَن رَفَعته الثورة شريفًا، ولا كل مَن وضَعته حقيرًا، فلا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله، نسأله - عزَّ وجلَّ - أن يَحفظنا من الفِتَن؛ ما ظهَر منها وما بطَن، وأن يَحشرَنا مع الصالحين أصحابِ القلوب السليمة والضمائر الحيَّة؛ ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88 - 89].


الناشر موقع الألوكة 
موقع الطيف نيوز 
موقع دنيا الرأي
http://www.alukah.net/Culture/0/37512/#ixzz1jY7dGsaJ

الاثنين، 9 يناير 2012

العقل المؤمن والعقل الكافر



يظن البعض أن الإسلام دينُ تخلُّفٍ، لا يتماشى مع العصور الحديثة التي تعتمد على العلم، وهذا الاعتقاد الخاطئ افتراءٌ على الإسلام، وليس افتراءً على المسلمين؛ لأنَّ المسلمين هم مَن أعطوا الغرب الفرصة بأن يَرونا بهذه الصورة، فكثير منَّا أخَذ من الإسلام قشوره، وترَك الجواهر المكنونة التي جعَلت الحضارة الإسلاميَّة أرقى الحضارات الإنسانيَّة على مرِّ التاريخ.

حضارة كان الإسلام يَنتشر فيها من خلال أخلاق التجَّار المسلمين، أمَّا اليوم فقد أصبَحنا نُشوِّه الإسلام من أجْل التجارة، بل يُتاجر بعضنا بالإسلام؛ للحصول على كرسي أو منصبٍ، أخَذنا من محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - اللحْيَة وتقصير الجلباب، وأهْمَلنا خُلقه وعلمه، ورَجاحة عقله، وكأننا نهتمُّ بالقشور والمظاهر، ونَترك كنوز العقول، حتى لَمَّا دنَونا من الحضارة الغربية، أخَذنا منها الظاهر وترَكنا الباطن، فتأَمْرَكت الأزياء والبيوت، والشوارع والفنون، وبَقِيت العقول نائية عن الاهتمام بالعلم؛ حتى بدا للبعض أنَّ الحضارة ما هي إلاَّ أبراج عالية وشواطئ جميلة، ومَلاهٍ ليلية، ونَسينا أنَّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سكَن في أبسط البيوت، ولَم يَلبس الحرير، وعلى الرغم من ذلك، فإنه صنَع حضارة ليس لها مثيل؛ لأنه امتثَل أوَّلَ آية نزَلت عليه؛ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].

ولَمَّا كان الإسلام يدعو إلى العلم والاهتمام به، كان ذلك يأتي متماشيًا مع الأخلاق والسلوك الحميدة؛ ليكون المسلم من الداخل والخارج كائنًا يستحق الأمانة التي حمَلها وهي العقل، وللعلم وجهان: أوَّلها: هو الاهتمام بالعلم ليرقى به الإنسان، والثاني: تقديس العلم ونسبة كلِّ شيء للعلم، فمالَ هذا الدَّرب إلى الإلحاد.

ولكنَّ العلم الذي دعا إليه الإسلام، هو العلم الذي ينفع الناس ويهدي إلى الله، لا العلم الذي ينشر الإلحاد والفجور، والفرق بين العلم الذي يدعو إليه الإسلام والعلم الذي يدعو إليه الملحدون، هو العقل وكيفيَّة الاستخدام.

فالإسلام يدعو إلى العلم الذي يستخدم العقل المُتدبِّر، أمَّا الملحدون فهم يستخدمون العقل المادي أو الرَّقْمي، والفرق بينهما أنَّ العقل المتدبِّر حين يصل إلى الحقيقة العلميَّة، فإنه يذهب إلى ما ورائها من أبعاد تسوق إلى الخير وتهدي إلى وجود البارئ؛ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

وقال وهب بن مُنبه: "ما طالَت فكرة امرئ قطُّ إلاَّ فَهِم، وما فَهِم امرؤ قطُّ إلاَّ عَلِم، وما عَلِم امرؤ قطُّ إلا عَمِل"[1].

أمَّا العقل المادي، فهو الذي يرى الحقيقة العلميَّة كما هي، ولا يرى ما وراءها من أبعاد ودَلالات، فهم يرون أنَّ ماء المطر ما هو إلاَّ نتاج لعمليَّة تبخُّر ماء البحر، ثم إنَّ الرياح تحمله، ولَمَّا يتكثَّف، يهبط غيثًا، أمَّا العقل المتدبِّر، فإنه يسبح بعيدًا إلى خَلق السموات والأرض، وإلى قدرة الخالق في أن يجعل الرياح والأمطار من جنوده، فقد تكون رحمة ورزقًا، وقد تكون عذابًا وغضبًا؛ يُروى عن عيسى - عليه السلام - أنه قال: "طوبى لِمَن كان قيله تذكُّرًا، وصمته تفكُّرًا، ونظره عِبرًا"[2].

والعقل المادي يرى أنه لو أنفَق على والديه، لأنقَص ذلك من دَخله، وهذا بلُغة الآلة الحاسبة صحيح تمامًا، أمَّا العقل المتدبِّر، فيرى أنه لو أنفَق على والديه الآن، فإنه سيَجني ثمرة ذلك مستقبلاً، وهو بذلك يُنقذ المجتمع من ماديَّة فكَّكت الروابط الأُسرية، وبالمثل الزكاة والصَّدقات وغيرها من اقتصاديات الإسلام التي يجب التفكُّر فيها؛ لنُدرك جَدواها، ونُدرك مدى نَفعها للمجتمعات، أمَّا العقل المادي، فيراها نقصًا للأموال وحسب.

العقل المادي هو الذي يستجيب لنداءات الجسد تحت شعار الحريَّة، فيعم الزنا والشذوذ وغيرها من صور الحرية المزعومة، أمَّا العقل المتدبِّر، فإنه يَضبط شهوات الجسد؛ لأن الفرد يؤثر في الجماعة، فلو اتَّبَع كلُّ فرد شهواته، ثم نظر إلى المجتمع من بعيد، لرآه غابة مُقززة، كلُّ مَن فيها يفعل ما يريد تحت شعار الحرية.

ومن هنا يجب أن نتدبَّر أبعاد أفعالنا وتفكيرنا، فليس كل ما نعلم ينفع، ولا كل ما نَجهل يضرُّ، فلنتدبَّر ما عَلِمنا؛ لعلنا نَبلغ الفَهم، ونكون من أهل الجنة؛ قال لقمان الحكيم: "إنَّ طول الوحدة ألْهَمُ للفكرة، وطول الفكرة دليلٌ على طَرْق باب الجنة"[3].

ولَمَّا دعا الأنبياء إلى الله الواحد الأحد، لَقوا الرفض والإنكار من أقوامهم الذين استخدَموا العقل المادي، وقالوا: أين الله؟ دعونا نراه! أمَّا مَن استخدموا العقل المتدبِّر، فقد آمنوا بالله، ولَم يروه؛ لأنهم رأوا آياته؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 20، 21].

وهذا هو الفرق بين العالم المسلم والعالم الكافر، أو غير المسلم، وهو التدبُّر، وهذا ما جعَل كثيرًا من علماء الغرب يدخلون الإسلام؛ لَمَّا تدبَّروا الحقائق العلمية، ولَمَّا تدبَّروا القرآن، ولعل أشهرهم عالِم الرياضيات الأمريكي "جيفري لانج"، لَمَّا قرأ القرآن بتدبُّر، فأدرَك أنه كتابُ حقٍّ أنزَله الحقُّ على عبده الصادق المصدوق، لَم يتردد في نُطق الشهادة؛ ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

ونَخلص من ذلك إلى أنَّ كل العلماء يستخدمون العقل، ولكنَّ غير المؤمن يلجأ إلى العقل المادي، فيقوده ذلك إلى الإلحاد، أمَّا المؤمن فإنه يلجأ إلى عقله المتدبِّر الذي يقوده إلى الله وإلى اليقين والطمأنينة؛ ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190 – 191].


[1] تفسير ابن كثير.
[2] تفسير ابن كثير.
[3] تفسير ابن كثير.
تم نشره على :
 موقع الألوكة 
دنيا الرأي

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

العرب يشكرون بعضهم البعض على السرقة الالكترونية

     قمت بالبحث عن مقال من مقالاتي المنشورة على موقع الألوكة و تفاجأت أن المقال انتشر بشكل رهيب على شبكة الانترنت و خاصة المنتديات و صفحات التواصل الاجتماعي و لكني ذهلت لما رأيت سارقي النص يضعون أسمائهم و حذفوا اسمي و اسم موقع الألوكة صاحب حقوق النشر لمقالي , و المضحك أن القراء بالمنتديات تركوا تعليقات تنم عن عدم المبالاة لحقوق الملكية الفكرية و أخذوا يشكرون سارقي المقالات كقول أحدهم " جزاااااااااااااااك الله خير " و الأغرب رد آخر " شكرا أكثر الله من أمثالك " . و اذا افترضنا حسن النية عذرناهم و لكن يجب أن ننتبه إلى حق الملكية الفكرية .
   و كثيراً ما يشتكي الناشرون من هذه القضية . فالكتاب المطبوع الذي ينفقون عليه الكثير قد يجده القارئ بسهولة على الانترنت و يهدر حق الناشرين . 
الجانب الايجابي هو انتشار القراءة ,  و المواقع الكبيرة عادة تهتم بذكر المصادر و هذا ما يهثم به المثقفون . أما القارئ العبثي فقد يأخذ معلوماته من تعليقات الناس على الانترنت .

تم نشره على
الطيف نيوز 

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

رسول الإسلام أول من تنبأ بالتضخم الاقتصادي




محمد - صلَّى الله عليه وسلم - أول من تنبأ بالتضخم الاقتصادي

يعيشُ العالم حالةً من التضخم جعلت رؤساءَ الدولِ يصرخون قبل شعوبهم،ليسوا مفلسين، بل إن ما يربحونه وما يدَّخرونه من نقدٍ وذهبٍ لا يتماشى مع الأسعارِ العالية التي تهدِّدُ العالم بثوراتِ جياع، وأصبح المليار يتردَّدُ على الآذان كثيرًا، والمليون قد انحصر في شراءِ شقة أو قطعة أرض، والألف قد تكفي لشراءِ هاتفٍ محمول، أو لعبةٍ يلهو بها الصِّغارُ، أمَّا المائة فلا بأس بها لتشتري وجبةَ غداء لا يتبقَّى منها شيءٌ للعشاء، والعشرة إن أعطيتَها لنادلٍ كبقشيش يرمقُك ساخطًا، ويندمُ أنه خدَمك.

ويتسابقُ علماء الاقتصاد والباحثون في تعريفِ ظاهرة التضخم التي اختنق بسببها العالَمُ، وألَّفوا كتبًا لتعريفِ التضخم وأسبابه، ولكن قبلهم بألفٍ وأربعمائة سنة أنبأنا به المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - في روايةِ عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غزوةِ تبوك، وهو في قبَّةٍ من أدم، فقال: ((اعدد ستًّا بين يدي السَّاعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان، يأخذ فيكم كقُعَاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينارٍ فيظلُّ ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيتٌ من العربِ إلا دخلتْه، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفرِ فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا)).

هنا لخصَّ الذي لا ينطقُ عن الهوى مفهومَ التضخم الذي نعاصرُه الآن في جملةٍ وجيزة بليغة ((استفاضة المال حتى يُعطى الرَّجلُ مائة دينار فيظل ساخطًا))، لا أجدُ تعريفًا لمصطلح التضخم أبلغ من تلك العبارة الوجيزة التي شملت التضخم بكلِّ معانيه وصوره، فاستفاضةُ المال كناية عن تضخمِ الأجور والدخول والأرباح، وسخطُ العامل كناية عن تضخمِ الأسعار وتكاليف الإنتاج، وهذا ما يعانيه الإنسانُ في عصرنا، فأحدنا قد يحملُ المئات والآلاف ولكنَّها لا تلبي حاجاتِه، فباتت الأموالُ لا قيمةَ لها، وزاد السخط بين النَّاس، وقد رأى البعضُ أنَّ هذه العلامة وقعت في عهدِ عمر بن عبدالعزيز لما فاض المالُ، ولكنِّي أقولُ: الأمرُ مختلف تمامًا؛ لأنَّ استفاضة المال في عهدِ عمر بن عبدالعزيز كانت عن غنًى، فكانت للنقودِ قيمتُها، والمنتجات والمحاصيل متوفرة، أما ما قصده النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو استفاضة مع فقرٍ وسخط؛ بمعنى أن تقلَّ قيمةُ النقودِ لوفرتها، وترتفع قيمة المحاصيل والمنتجات لندرتِها، لذا يسخطُ الرجل أو العامل إن أعطيتَه مائة؛ لأنها لا تشتري شيئًا في عصرِ الغلاء هذا.

وقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فيظل ساخطًا))؛ إشارة إلى استمراريةِ السخط قبل وبعد العطاءِ لحاجته الشديدة، والتي لم تنقضِ بعد أن أُعطي المائة، على الرَّغمِ من كثرتها العددية وقلة قيمتها الشِّرائية، أمَّا عهد عمر بن عبدالعزيز، فكان زمنَ رخاء اقتصادي وليس تضخم يسخطُ بسببِه النَّاس.

ولو نظرنا إلى أسبابِ التضخم لوجدنا السببَ الأول هو عدم التمسك بتعاليمِ وأخلاق الإسلام في التجارة، فقد انتشر الاحتكارُ والاستغلال والغشُّ والرِّبا، وحبس الصَّدقةِ والزكاة عن الفقراءِ، وكَنز الذهب والفضة، والسعي وراء الثراءِ الفاحش بشتى السبل، وغيرها من جشعِ وطمعِ وحماقةِ حكَّامٍ جعلت قيمةَ النقود الورقية أكبر من قيمتِها الشرائية، وأصبحوا يتفنَّنون في خفضِ تكلفة طباعة النقود حتى ثقبوا العملات المعدنية لخفضِ وزنها، وتقليل تكلفةِ صكِّها، وغيرها من الحلولِ الغبية الأنانية التي أدَّتْ إلى الغلاءِ الشديد الذي أرق الغني والفقير.

وصدق المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي أُوتي جوامع الكلم، لما وصف حالَنا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وكأنَّه يعيشُ بيننا الآن، ليواكبَ بأقوالِه علماء هذا الزَّمان، بل سبقهم وما أدركوه في شتى العلوم، ليُعجز من أنكروا نبوتَه وهو الصَّادق المصدوق، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم : 3-4].

تم نشره على :
موقع الألوكة
موقع الطيف نيوز